ابن عربي

213

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

فصبروا حتى غشيتهم ، فأكلت الأوثان وما قرّبوا معها وما حمل ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما لم تضرّهما ، فأصقعت حمير عند ذلك على دينه . فعند ذلك كان أصل اليهودية باليمن . فتنة إلهية أضل بها من شاء أخبرني بمكة رجل ثقة من التجار ، يقال له ابن صوّاف من أهل الإسكندرية ، وكان عدلا صالحا ، ثبت الحديث فطنا ، ولا أزكى على اللّه أحدا . قال لي : أخبرني بعض التجار أنه أتجر ببعض بلاد الهند ، فعامل رجلا من أهل ذلك البلد إلى أجل معلوم ، فتوفي التاجر الهندي قبل حلول الأجل بغتة ، فأسف التاجر الغريب على تلاف ماله ، فقصد دار الهندي ليشهد جنازته ، باكيا على ما كان له قبله ، فقال له بعض أهل الميت : ما شأنك تكثر البكاء ؟ فذكر ما له قبل الميت ، فقال له : لا بأس عليك تأخذ مالك موفّى ، فقال : وكيف ذلك ؟ فقال له : إن الميت عندنا يحييه اللّه بعد ثلاثة أيام من دفنه ، فيفتح دكانه إن كان صاحب دكان ، ويذكر ما له وما عليه في جريدته ، ويعطي للناس ما لهم في قبله من الحقوق ، فإذا لم يبق عليه تبعة قام وأغلق دكانه ، وسلم المفاتيح للورثة ، وانصرف من حيث جاء لا يتبعه أحد ، فلا نراه بعد ذلك . قال التاجر : فتعجب لخبره وهان عليّ تلف المال بمشاهدة هذه الأعجوبة . قال : ثم إنّا تبعنا الجنازة حتى دفناه ، وبقيت أترقب ، فلما كان بعد ثلاث نادى مناد في البلد : معشر الناس ، من كان له عند فلان الذي مات حق فليأت إلى دكانه ، فقد قعد يعطي الناس حقوقهم . قال : فأسرعت إلى الدكان فوجدت صاحبي بعينه لا أنكر منه شيئا وجريدته في يده ، ومن له عنده شيء قد حضر ، فما زال ينظر في الجريدة ويقول : أين فلان ؟ فيجيبه ، فيقول : كم تسألني ؟ فيقول له : كذا وكذا ، فيعطيه ، إلى أن دعاني باسمي فقال : كم تسألني ؟ فقلت : كذا وكذا ، فنظر في الجريدة ، فقال : صدقت ، فوافاني حقي وشكرني ، واعتزلت أنظر آخر أمره وإلام يؤول ، فلما جاء وقت العصر وتمكن ، فرغ من شغله ، وقفل الحانوت ، وانصرف الناس ، وأخذ المفاتيح وأسلمها للورثة ، وسلّم عليهم ، وانصرف ، فلم يتبعه أحد ، فانصرفت خلفه أسأله عن شأنه ، فإني رأيت عجبا ، فما دخل زقاقا إلا وأنا خلفه أجهد نفسي في أثره ، فلما ألححت عليه وقف وقال : يا هذا ألم تأخذ حقك ؟ قلت :